فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قالهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَإِنَّمَا تُحِيطُ النَّارُ بِمَنْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطَايَاهُ حَتَّى لَا رَجَاءَ فِي تَوْبَتِهِ: {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (2: 81).
{إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ}، الْمُتَبَادِرُ أَنَّ هَذَا إِخْبَارٌ عَنْ شَأْنِهِمْ فِي مَاضِيهِمْ وَحَاضِرِهِمْ وَمُسْتَقْبَلِهِمْ، وَالْحَسَنَةُ كُلُّ مَا يَحْسُنُ وَقْعُهُ وَيَسُرُّ مِنْ غَنِيمَةٍ وَنُصْرَةٍ وَنِعْمَةٍ، أَيْ أَنَّهُ يَسُوءُهُمْ كُلُّ مَا يَسُرُّكَ، مَا سَاءَهُمُ النَّصْرُ فِي بَدْرٍ وَغَيْرِ بَدْرٍ مِنَ الْغَزَوَاتِ {وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ} أَيْ: نَكْبَةٌ وَشِدَّةٌ كَالَّذِي وَقَعَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ {يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ} أَيْ: قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا بِالْحَزْمِ وَالْحَذَرِ الَّذِي هُوَ دَأْبُنَا مِنْ قَبْلِ وُقُوعِهَا إِذْ تَخَلَّفْنَا عَنِ الْقِتَالِ، وَلَمْ نُلْقِ بِأَيْدِينَا إِلَى الْهَلَاكِ: {وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} أَيْ: وَيَنْصَرِفُوا عَنِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَقُولُونَ فِيهِ هَذَا الْقَوْلَ عِنْدَ بُلُوغِهِمْ خَبَرُ الْمُصِيبَةِ إِلَى أَهْلِيهِمْ، أَوْ يُعْرِضُوا عَنْكَ بِجَانِبِهِمْ {وَهُمْ فَرِحُونَ} فَرَحَ الْبَطَرِ وَالشَّمَاتَةِ. وَتَقَدَّمَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ قَوْلُهُ: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} (3: 120) الْآيَةَ وَهِيَ فِي سِيَاقِ غَزْوَةِ أُحُدٍ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّفْسِيرِ الْمَأْثُورِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ خَبَرٌ عَنْ مُسْتَقْبَلِ الْأَمْرِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ. رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّ تُصِبْكَ فِي سَفَرِكَ هَذَا لِغَزْوَةِ تَبُوكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ، قَالَ: الْجَدُّ وَأَصْحَابُهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: جَعَلَ الْمُنَافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا فِي الْمَدِينَةِ يُخْبِرُونَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَخْبَارَ السُّوءِ، يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ قَدْ جَهِدُوا فِي سَفَرِهِمْ وَهَلَكُوا فَبَلَغَهُمْ تَكْذِيبُ خَبَرِهِمْ وَعَافِيَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ فَسَاءَهُمْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ} الْآيَةَ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ فِي الْآيَةِ قَالَ: إِنْ أَظْفَرَكَ اللهُ وَرَدَّكَ سَالِمًا سَاءَهُمْ ذَلِكَ، وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا: قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا فِي الْقُعُودِ قَبْلَ أَنْ تُصِيبَهُمْ، وَالْأَوَّلُ أَبْلَغُ وَهُوَ يَشْمَلُ هَذَا وَغَيْرَهُ.
{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا} أَيْ: قُلْ أَيُّهَا الرَّسُولُ لِهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تُفْرِحُهُمْ مُصِيبَتُكَ، وَتَسُوءُهُمْ نِعْمَتُكَ وَغَنِيمَتُكَ، لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَهُ اللهُ وَأَوْجَبَهُ لَنَا بِوَعْدِهِ فِي كِتَابِهِ، وَتَقْدِيرِهِ لِنِظَامِ سُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ، مِنْ نَصْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَتَمْحِيصٍ وَشَهَادَةٍ، وَضَمَانٍ لِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ {هُوَ مَوْلَانَا} أَيْ: هُوَ وَحْدَهُ مَوْلَانَا يَتَوَلَّانَا بِالتَّوْفِيقِ وَالنَّصْرِ، وَنَتَوَلَّاهُ بِاللَّجَأِ إِلَيْهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَلَا نَيْأَسُ عِنْدَ شِدَّةٍ، وَلَا نَبْطُرُ عِنْدَ نِعْمَةٍ، وَقَدْ قَالَ لَنَا فِي وَعْدِهِ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (8: 39 و40) وَقَالَ فِي بَيَانِ سُنَّتِهِ فِي خَلْقِهِ: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} (47: 10 و11) وَقَالَ فِي سُنَّتِهِ فِي الْعَوَاقِبِ: {إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (7: 128).
{وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} أَمْرٌ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا قَبْلَهُ، أَيْ: وَإِذَا كَانَ اللهُ هُوَ مَوْلَاهُمْ فَحَقَّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ وَحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، مَعَ الْقِيَامِ بِمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ فِي شَرْعِهِ، وَالِاهْتِدَاءِ بِسُنَنِهِ فِي خَلْقِهِ، وَمِنْهَا مَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ مِنْ أَسْبَابِ النَّصْرِ الْمَادِّيَّةِ وَالْمَعْنَوِيَّةِ الَّتِي فَصَّلَهَا فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ وَغَيْرِهَا، كَإِعْدَادِ مَا تَسْتَطِيعُ الْأُمَّةُ مِنْ قُوَّةٍ، وَاتِّقَاءِ التَّنَازُعِ الَّذِي يُوَلِّدُ الْفَشَلَ، وَيُفَرِّقُ الْكَلِمَةَ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكِلُوا إِلَيْهِ تَوْفِيقَهُمْ لِمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ النَّجَاحُ، وَتَسْهِيلُ أَسْبَابِهِ الَّتِي لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا كَسْبُهُمْ، وَمَا أَجْهَلُ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ التَّوَكُّلَ وَكِتَابَةَ الْمَقَادِيرِ، يَقْتَضِيَانِ تَرْكَ الْعَمَلِ وَالتَّدْبِيرِ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِي الْأَمْرَيْنِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ هَذَا التَّفْسِيرِ، وَيُقَابِلُ التَّوَكُّلُ عَلَيْهِ تَعَالَى بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَمَا أَيَّدَهُ بِهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ، اتِّكَالَ الْمَادِّيِّينَ عَلَى حَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ وَحْدَهَا، حَتَّى إِذَا مَا أَدْرَكَهُمُ الْعَجْزُ وَخَانَتْهُمُ الْقُوَّةُ أَمَامَ قُوَّةٍ تَفَوقُهَا، خَانَهُمُ الصَّبْرُ وَأَدْرَكَهُمُ الْيَأْسُ؛ إِذْ لَيْسَ لَهُمْ مَا لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ التَّوَكُّلِ عَلَى ذِي الْقُوَّةِ الَّتِي لَا تَعْلُوهَا قُوَّةٌ- وَشَرٌّ مِنْهُ اتِّكَالُ الْخَرَّافِيِّينَ عَلَى الْأَوْهَامِ، وَتَعَلُّقُ آمَالِهِمْ بِالْأَمَانِي وَالْأَحْلَامِ، حَتَّى إِذَا مَا انْكَشَفَتْ أَوْهَامُهُمْ، وَكَذَبَتْ أَحْلَامُهُمْ، وَخَابَتْ آمَالُهُمْ، نَكَّسُوا رُؤُوسَهُمْ، وَنَكَصُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، وَاسْتَكَانُوا لِأَعْدَائِهِمْ، وَكَفَرُوا بِوَعْدِ رَبِّهِمْ بِنَصْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَوَعْدُ اللهِ أَصْدُقُ مِنْ دَعْوَاهُمُ الْإِيمَانَ، وَإِنَّمَا وَعَدَ بِالنَّصْرِ أَوْلِيَاءَهُ لَا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)}
أخرج أبو الشيخ عن السدي {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} قال: إلا ما قضى الله لنا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مسلم بن يسار رضي الله عنه قال: الكلام في القدر واديان عريضان يهلك الناس فيهما لا يدرك عرضهما، فاعمل عمل رجل يعلم أنه لا ينجيه إلا عمله، وتوكل توكل رجل يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له.
وأخرج أبو الشيخ عن مطرف رضي الله عنه قال: ليس لأحد أن يصعد فوق بيت فيلقي نفسه ثم يقول: قدر لي. ولكن نتقي ونحذر، فإن أصابنا شيء علمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
وأخرج أحمد عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإِيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه». اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال السمين:
{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)}
قوله تعالى: {لَّن يُصِيبَنَا} قال عمرو بن شقيق: سمعت أَعْيُنَ قاضي الري يقرأ {لن يُصيبَنَّا} بتشديد النون، قال أبو حاتم: ولا يجوزُ ذلك؛ لأنَّ النونَ لا تدخل مع {لن}، ولو كانت لطلحة بن مصرف لجاز، لأنها مع {هل} قال الله تعالى: {هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ} [الحج: 15]، قلت: يعني أبو حاتم أنَّ المضارعَ يجوز توكيده بعد أداةِ الاستفهامِ، وابن مصرف يقرأ {هل} بدل {لن}، وهي قراءة ابن مسعود.
وقد اعتُذِر عن هذه القراءة: فإنها حملت لن على لم ولا النافيتين، ولم ولا يجوزُ توكيد الفعل المنفيِّ بعدهما. أمَّا لا فقد تقدم تحقيق الكلام عليها في الأنفال، وأمَّا لم فقد سُمع ذلك وأنشدوا:
يَحْسَبُه الجاهل ما لم يَعْلما ** شيخًا على كرسيِّه مُعَمَّمَا

أراد يَعْلَمَنْ فأبدل الخفيفةَ ألفًا بعد فتحة كالتنوين.
وقرأ القاضي أيضًا وطلحة: {هل يُصَيِّبُنا} بتشديد الياء.
قال الزمخشري: ووجههُ أن يكونَ يُفَيْعِل لا يُفَعِّل لأنه من بنات الواو لقولهم: الصواب، وصاب يصوب، ومصاوب في جمع مصيبة، فَحَقُّ يُفَعِّل منه يُصَوِّب. ألا ترى إلى قولهم: صَوَّب رأيه، إلا أَنْ يكونَ من لغة من يقول: صاب السهمُ يَصيب كقوله:
أَسْهُمِيَ الصائِبات والصُّيُبْ

يعني أنه أصله صَوْيِب فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحدهما بالسكون فقُلبت الواو ياءً وأدغم فيها، وهذا كما تقدم لك في تحيَّز أن أصله تَحَيْوَز. وأما إذا أخذناه مِنْ لغةِ مَنْ يقول: صاب السهم يَصيب فهو من ذوات الياء فوزنه على هذه اللغة فَعَّل. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.من لطائف القشيري في الآية:

قال عليه الرحمة:
{قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51)}
المؤمن لا تلحقُه شماتةُ عدوِّه لأنه ليس يرى إلا مُرادَ وليِّه، فهو يتحقق أنَّ ما ينالُه مرادُ مولاه فيسقطُ عن قلبِه ما يهواه، ويستقبله بروح رضاه فَيَعْذُبُ عنده ما كان يَصْعُبُ مِنْ بلواه، وفي معناه أنشدوا:
إنْ كان سَرَّكُمُ ما قال حاسدُنا ** فما لِجُرْحٍ إذا أَرْضَاكُم أَلمُ

ويقال شَهودُ جريانِ التقدير يخفف على العبد تَعَبَ كلِّ عسير.
قوله: {هُوَ مَوْلاَنَا}: تعريفٌ للعبد أن له سبحانه أن يفعل ما يريد، لأنه تصرفُ مالكِ الأعيانِ في مُلْكِه، فهو يُبْدِي ويُجْرِي ما يريد بحقِّ حُكْمِه.
ثم قال: {وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ}: وأولُ التوكلِ الثقةُ بوعده، ثم الرضا باختياره، ثم نسيانُ أمورِك بما يغْلِبُ على قلبك من أذكاره.
ويقال التوكل سكونُ السِّرِّ عند حلول الأمر ونهاية التفويض، وفيها يتساوى الحلوُ والمرُّ، والنعمةُ والمحنةُ. اهـ.

.قال في البحر المديد:

الإشارة: ثلاثة أمور توجب للعبد الراحة من التعب، والسكون إلى رب الأرباب، وتذهب عنه حرارة التدبير والاختبار، وظلمة الأكدار والأغيار: أحدها: تحقيق العلم بسبقية القضاء والقدر، حتى يتحقق بأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، قال تعالى: {قل لن يصينا إلا ما كتب الله لنا}، {وَإن يمْسسْك اللَّهُ بضُرِّ فَلا كَاشِفَ له إلاَّ هُوَ}، وليتأمل قول الشاعر:
مَا لاَيُقَدِّرُ لا يَكُون بِحيلَةٍ ** أَبَدًا، وَمَا هُو كَائِنٌ سَيَكُونُ

سَيَكُونُ مَا هُوَ كَائِنٌ في وَقْتِهِ ** وأخُو الجَهالَةِ مُتْعَبٌ مَخْزُون

وقد ورد عن سيدنا علي كرم الله وجهه أنه قال: سبع آيات: من قرأها أو حملها معه؛ لو انطبقت السماء على الأرض؛ لجعل الله له فرجًا ومخرجًا من أمره، فذكر هذه الآية: {قل لن يصيبنا}، وآية في سورة يونس: {وَإِن يَمسَسْك اللَّهُ بِضُرٍ...} [يونس: 107] الآية، وآيتان في سورة هود: {وَما مِن دآبَّةٍ...} [هود: 6]، الآية، {إنّي تَوَكَّلتُ عَلَى اللهِ رَبَي وَرَبّكُم...} [هود: 56]، الآية، وقوله تعالى: {وكأَيَّن مّنِ دَآبَّةٍ لاَّ تَحمِلُ رِزقُها اللَّهُ يرزُقُها وَإِيَّاكمُ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ} [العنكبوت: 60]، {مَّا يَفتَحِ اللَّهُ للِنَّاسِ مِن رَّحمَةٍ فَلاَ مُمسكَ لَهَا وَمَا يَمسِك فَلاَ مُرسِلَ لَهُ مِن بَعدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكيمُ} [فاطر: 2]، و{ولَئن سَأَلتَهُم}. في الزمر إلى قوله: {عَلَيهِ يَتَوكَّلُ المُتَوَكِلُون} [الزمر: 38]، ونظمها بعضهم فقال:
عليك بقل وإن، وما، إني، في هود ** وكأين، مَا يفتحْ، ولئن؛ مكملا

وإنما أشار رضي الله عنه إلى معنى الآيات لا إلى لفظها؛ لأنها كلها تدل على النظر لسابق القدر، والتوكل على الواحد القهار.
الأمر الثاني: تحقق العبد برأفته تعالى ورحمته، وأنه لا يفعل به إلا ما هو في غاية الكمال في حقه، إن كان جمالًا فيقتضي منه الشكر، وإن كان جلالًا فيقتضي منه الصبر، وفيه غاية التقريب والتطهير وطي المسافة بينك وبين الحبيب.
وفي الحكم: «خير أوقاتك وقت تشهد فيه وجودَ فاقتك، وتُرَدُ فيه إلى وجود ذلتك، إن أردت بسط المواهب عليك، فصحح الفقر والفاقة لديك، الفاقة أعياد المريدين». إلى غير ذلك من كلامه في هذا المعنى.
الأمر الثالث: تحققه بخالص التوحيد؛ فإذا علم أن الفاعل هو الله ولا فاعل سواه؛ رضي بفعل حبيبه، كيفما كان، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه:
أَحِبَّاي أَنْتُمْ أَحسَنَ الدَّهر أم أسا ** فكونوا كما شِئتُمْ أَنا ذلك الخِلّ

وكما قال صاحب العينية:
تَلَذُّ لِيَ الآلام إذْ كُنْتَ مُسقِمي ** وإن تَخْتَبِرني فَهْي عِنْدي صَنَائِعُ

تَحَكَّم بِمَا تَهْواهُ فِيّ فإنَّني ** فَقيرٌ لسُلطان المَحَبَّةِ طَائِعُ

فهذه الأمور الثلاثة، إذا تفكر فيها العبد دام حبوره وسروره، وسهلت عليه شؤونه وأموره. اهـ.

.تفسير الآية رقم (52):

قوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما تضمن ذلك أن سراءهم وضراءهم لهم خير من حيث إن الرضى بمر القضاء موجب لإقبال القاضي على المقضي عليه بالرأفة والرحمة، صرح بذلك في قوله: {قل هل تربصون} أي تنتظرون انتظارًا عظيمًا {بنا إلا إحدى الحسنيين} أي وهي أن نصيب أعداءنا فنظفر ونغنم ونؤجر أو يصيبونا بقتل أو غيره فنؤجر، وكلا الأمرين حسن: أما السراء التي توافقوننا على حسنها فأمرها واضح، وأما الضراء فموجبة لرضى الله عنا ومثوبته لنا بالصبر عليها ورضانا بها إجلالًا له وتسليمًا لأمره فهي حسنى كما نعلم لا سوأى كما تتوهمون {ونحن نتربص بكم} أي ننتظر إحدى السوأيين وهي {أن يصيبكم الله} أي الذي له جميع القدرة ونحن من حزبه {بعذاب من عنده} أي لا تسبب لنا فيه كما أهلك القرون الأولى بصائر للناس {أو بأيدينا} أي بسببنا من قتل أو نهب وأسر وضرب وغير ذلك لأن حذركم لا يمنعكم من الله، وكل ذلك مكروه عندكم.
ولما تسبب عن هذا البيان ان السوء خاصة بحزب الشيطان، حسن أن يؤمروا تهكمًا بهم بما أداهم إلى ذلك تخسيسًا لشأنهم فقال: {فتربصوا} أي أنتم {إنا} أي نحن {معكم متربصون} أي بكم، نفعل كما تفعلون، والقصد مختلف، والآية من الاحتباك: حذف أولًا الإصابة للدلالة عليها بما أثبت ثانيًا، وثانيًا إحدى السوأيين للدلالة عليها بإثبات الحسنيين أولًا. اهـ.